محمد بن جرير الطبري

39

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً يقول : وآتاني منه النبوة والحكمة والإسلام ، فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ يقول : فمن الذي يدفع عني عقابه إذا عاقبني إن أنا عصيته ، فيخلصني منه ، فَما تَزِيدُونَنِي بعذركم الذي تعتذرون به من أنكم تعبدون ما كان يعبد آباؤكم غَيْرَ تَخْسِيرٍ لكم يخسركم حظوظكم من رحمة الله . كما : حدثني المثني ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ يقول : ما تزدادون أنتم إلا خسارا القول في تأويل قوله تعالى : وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل صالح لقومه من ثمود إذ قالوا له وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ وسألوه الآية على ما دعاهم إليه : يا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً يقول : حجة وعلامة ، ودلالة على حقيقة ما أدعوكم إليه . فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ فليس عليكم رزقها ولا مؤنتها . وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ يقول : لا تقتلوها ولا تنالوها بعقر ، فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ يقول : فإنكم إن تمسوها بسوء يأخذكم عذاب من الله غير بعيد فيهلككم . القول في تأويل قوله تعالى : فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ يقول تعالى ذكره : فعقرت ثمود ناقة الله . وفي الكلام محذوف قد ترك ذكره استغناء بدلالة الظاهر عليه ، وهو : فكذبوه فعقروها . فقال لهم صالح : تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ يقول : استمتعوا في دار الدنيا بحياتكم ثلاثة أيام . ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ يقول : هذا الأجل الذي أجلتكم وعد من الله ، وعدكم بانقضائه الهلاك ، ونزول العذاب بكم غير مكذوب ، يقول : لم يكذبكم فيه من أعلمكم ذلك . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ وذكر لنا أن صالحا حين أخبرهم أن العذاب أتاهم لبسوا الأنطاع والأكسية ، وقيل لهم : إن آية ذلك أن تصفر ألوانكم أول يوم ، ثم تحمر في اليوم الثاني ، ثم تسود في اليوم الثالث وذكر لنا أنهم لما عقروا الناقة ندموا وقالوا : عليكم الفصيل فصعد الفصيل القارة والقارة الجبل حتى إذا كان اليوم الثالث ، استقبل القبلة وقال : يا رب أمي يا رب أمي ثلاثا . قال : فأرسلت الصيحة عند ذلك وكان ابن عباس يقول : لو صعدتم القارة لرأيتم عظام الفصيل . وكانت منازل ثمود بحجر بين الشام والمدينة . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ قال : بقية آجالهم حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة أن ابن عباس قال : لو صعدتم على القارة لرأيتم عظام الفصيل القول في تأويل قوله تعالى : فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ يقول تعالى ذكره : فلما جاء ثمود عذابنا ، نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا به مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا يقول : بنعمة وفضل من الله . وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ يقول : ونجيناهم من هوان ذلك اليوم وذله بذلك العذاب . إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ في بطشه إذا بطش بشيء أهلكه ، كما أهلك ثمود حين بطش بها ، الْعَزِيزُ فلا يغلبه غالب ولا يقهره قاهر ، بل يغلب كل شيء ويقهره . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ قال : نجاه الله برحمة منا ، ونجاه من خزي يومئذ حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن أبي بكر بن عبد الله ، عن شهر بن حوشب عن عمرو بن خارجة قال : قلنا له : حدثنا حديث ثمود قال : أحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمود : " كانت ثمود قوم صالح ، أعمرهم الله في الدنيا فأطال أعمارهم حتى جعل أحدهم يبني المسكن من المدر ، فينهدم والرجل منهم حي ، فلما رأوا ذلك اتخذوا من الجبال بيوتا فرهين ، فنحتوها وجوفوها ، وكانوا في سعة من معايشهم ، فقالوا : يا صالح ادع لنا ربك يخرج لنا آية نعلم أنك رسول